محمد بن محمد ابو شهبة

484

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

يعفّي على اثار عبد اللّه فلا يتفطن أحد إليه ، ولا يستدل باثاره على المهاجرين الكريمين . خروج الرسول وصاحبه من الغار وبعد ثلاث ليال وقد هدأ الطلب ، ويئس المشركون من إدراكهما خرجا من الغار ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر استأجرا رجلا من بني الديل « 1 » يسمّى عبد اللّه بن أريقط ، وهو من بني عبد بن عدي ، وكان هاديا خرّيتا « 2 » قد غمس حلفا « 3 » في ال العاص بن وائل السهمي ، وكان على دين كفار قريش « 4 » فأمناه « 5 » ، فدفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما ، يردفه أبو بكر ويعقبه ، فكانوا ثلاثة والدليل . طريق الهجرة فلما خرج بهما عبد اللّه بن أريقط « 6 » دليلهما سلك بهما أسفل مكة ، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من ( عسفان ) « 7 » ، ثم سلك

--> ( 1 ) بكسر الدال ، وإسكان الياء ، وقيل بضم أوله وكسر ثانيه مهموزا . ( 2 ) الخريت : الماهر بالهداية العارف بالطريق ، وسمي كذلك لأنه يهدي بمثل خرت الإبرة أي ثقبها ، أو لأنه يهتدي لاخرات المفازة وهي طرقها الخفية . ( 3 ) أي كان حليفا لهم . ( 4 ) وهذا يدل على مروءة العرب ووفائهم وأمانتهم ، وإلا فقد كان يمكنه أن يدل المشركين عليهما ويأخذ الجعل الكبير . ( 5 ) بفتح الهمزة وكسر الميم . ( 6 ) لم يعرف له إسلام كما جزم بذلك الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته وتبعه النووي ، وقال السهيلي : لم يكن أسلم ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ، ولا يعترض بأن الواقدي ذكر أنه أسلم لأنه ليس بصحيح ، وضعف الواقدي معلوم خصوصا مع الانفراد ، وكأنه سلف الذهبي في عده صحابيا ، وقال في الإصابة : لم أر من ذكره من الصحابة إلا الذهبي في التجريد ( شرح المواهب ، ج 1 ص 409 ) . ( 7 ) عسفان : موضع بين مكة والمدينة بينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل ، قال الفيومي في المصباح : ويسمى في زماننا مدرج عثمان .